ابن قيم الجوزية
122
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وضعوا اللحم للبزا * ة على ذروتي عدن ثم لاموا البزاة أن * خلعوا عنهم الرسن لو أرادوا صيانتي * ستروا وجهك الحسن وقال خصم آخر : أصبحت منفعلا لما تختاره * مني . ففعلي كله طاعات وقال خصم آخر شاكيا متظلما : إذا كان المحب قليل حظّ * فما حسناته إلا ذنوب وقال خصم آخر معتذرا عن إبليس : لما عصى من كان إبليسه ؟ . ولخصماء اللّه هاهنا تظلمات وشكايات . ولو فتشوا زوايا قلوبهم لوجدوا هناك خصما متظلما شاكيا عاتبا ، يقول : لا أقدر أن أقول شيئا ، وإني مظلوم في صورة ظالم ، ويقول بحرقة ، ويتنفس الصعداء : مسكين ابن آدم ، لا قادر ولا معذور . وقال الآخر : ابن آدم كرة تحت صولجانات الأقدار ، يضربها واحد ، ويردها الآخر . وهل تستطيع الكرة الانتصاف من الصولجان ؟ . ويتمثل خصم آخر بقول الشاعر : بأبي أنت وإن أس * رفت في هجري وظلمي فجعله هاجرا بلا ذنب ، ظالما . بل مسرفا . قد تجاوز الحد في ظلمه . ويقول آخر : أظلّت علينا منك يوما سحابة * أضاءت لنا برقا وأبطا رشاشها فلا غيمها يجلو ، فييأس طالب * ولا غيثها يأتي . فيروي عطاشها ويقول آخر : يدنو إليك ونقص الحظ يبعده * ويستقيم وداعي البين يلويه ويقول خصم آخر : واقف في الماء ظمآ * ن ولكن ليس يسقى ومن له أدنى فهم وبصيرة يعلم أن هذا كله تظلم وشكاية ، وعتب ، ويكاد أحدهم يقول : يا ظالمي لولا . ولو فتش نفسه كما ينبغي لوجد ذلك فيها . وهذا ما لا غاية بعده من الجهل والظلم . والإنسان كما قال اللّه تعالى : إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [ الأحزاب : 72 ] وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ فاطر : 15 ] . ولو علم هذا الظالم الجاهل أن بلاءه من نفسه ومصابه منها ، وأنها أولى بكل ذم وظلم ، وأنها مأوى كل سوء . و إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [ العاديات : 6 ] . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة « كفور جحود لنعم اللّه » وقال الحسن « هو الذي يعد المصائب ، وينسى النعم » وقال أبو عبيدة « هو قليل الخير » « والأرض الكنود » التي لا نبت بها . وقيل : التي لا تنبت شيئا من المنافع . وقال الفضل بن عباس « الكنود : الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان » . ولو علم هذا الظالم الجاهل : أنه هو القاعد على طريق مصالحه يقطعها عن الوصول إليه ،